
..العرب لن ينقذوق انت الوحيد القادر على انقاذ السودان. اترك السلطة للشعب فهناك فارق بين .التهوروالجدعنة
.........................................
قليل من الرقص كثير من العقل
فى اسبوع واحد قدم العالم قرنفلة حمراء الى نيلسون مانديلا فى عيد ميلادة التسعين وقدم كلابشات سوداء الى البشير تمهيدا للقبض علية ومحاسبتة
..............................................
مقال نشر بحريدة الاهرام الاحد 20 يوليو.......2008
من قريب بقلم: سلامة أحمد سلامة
ضبط وإحضار رئيس!
لأول مرة يقترب سيف الادعاء والمحاكمة من رقبة حاكم عربي بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية.. وقد ارتجت ارجاء العالم العربي خوفا وجزعا من احتمال ان يصل الامر الي تنفيذ امر الضبط والإحضار الذي اصدرته المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس عمر البشير بمساعدة مجلس الأمن.وبات علي حكومة الخرطوم ان تخوض معركة قانونية وسياسية ضد تجمع عالمي قوي, يمسك بين يديه أدلة اتهام قوية عن عمليات قتل جماعي استخدم فيها الجيش وميليشيات الجنجويد ضد المدنيين في دارفور, وذهب ضحيتها عدة آلاف من القتلي وملايين من المشردين.من الطبيعي ان تتضامن الدول العربية مع السودان.. بينما يلقي القرار ترحيبا حارا في الغرب ومن الحكومات ومن جماعات حقوق الانسان.. ومن الطبيعي ان يثار الحديث عن المؤامرات التي تحاك بتدبير امريكي ومساعدة عناصر صهيونية, بسبب الصراع علي الثروات الهائلة في دارفور, والتي اتاحتها حكومة الخرطوم للشركات الصينية.. وان تتجاهل المنظمات الدولية حقيقة المساعدات الخارجية التي تقدم للمتمردين لإفشال عملية السلام التي سعت اليها الخرطوم.وهناك حجج كثيرة تقال ضد شرعية المحكمة الجنائية الدولية, وتغلب الأبعاد السياسية علي انشطتها. خصوصا إذا اخذنا في الاعتبار ان السودان لم يوقع علي الاتفاقية الدولية. التي نشأت المحكمة بموجبها.. مثلها مثل امريكا وروسيا وإسرائيل. كما يمكن ان تثار تساؤلات حول انتقائية الجرائم التي تنظرها المحكمة, فتغض الطرف عن جرائم الحرب التي ترتكبها اسرائيل في فلسطين او ترتكبها امريكا في العراق وافغانستان.ولكن هذه الحجج يمكن ان توضع في كفة, وتوضع الجرائم ضد الانسانية في الكفة الاخري.. لنري إن ما ترتكبه الحكومات العربية, وليس السودان وحدها من فظائع في حق شعوبها, وما تحمله تقارير دولية لحقوق الانسان, عن سوء معاملة شعوبها, او بعض منها لأسباب سياسية أو عنصرية امر يستحق القلق, بل يستحق العقاب!ومن الواضح ان تدني أخلاقيات الحكم في بلادنا يعطي للآخرين مبررات قوية لتوجيه الاتهامات بارتكاب جرائم وحشية, تنبئ عن إساءة استخدام السلطة, وغياب موازين الحساب والعقاب, ولا تكفي جرائم التعذيب وما يرتكب من فظائع في السجون والمعتقلات تتسرب انباؤها للخارج ولا يجري التحقيق بشأنها.. لتبرهن علي ان الطعن علي الأدلة والاجراءات القانونية لا ينفي وقوع الجريمة بكل اشكالها.ومن السذاجة ان نتساءل عما يمنع البشير من تسليم نفسه للمحكمة الدولية لإثبات براءته.. ففي عالم يزخر بالمظالم والافتراءات, ولا تطبق العدالة إلا علي الضعفاء والمهزومين, ويهلك الملايين بكلمة واحدة ينطقها حاكم ظالم او مجنون. فإن عريضة اتهام البشير تظل فصلا من فصول المأساة الإنسانية, في دارفور, ولكنها ايضا دليل علي ما ترتكبه الحكومات من جرائم في حق نفسها وشعوبها, وهي تتواري خلف ادعاءا ت التضامن العربي, الذي هو في الحقيقة نوع من التواطؤ العربي!!
salama@ahram.org.eg
......................................................................................................
طلقة حبر
محاكمة سفاح مثل البشير جنائياً انتصار لكرامة الشعوب المقهورة وتربية لأمثاله من الحكام
العرب
.................................................................................................................
/عادل حمودة
في أسبوع واحد قدم العالم قرنفلة حمراء إلي نيلسون مانديلا هدية في عيد ميلاده التسعين وقدم " كلابشات " سوداء إلي عمر البشير تمهيدا للقبض عليه ومحاسبته أمام المحكمة الجنائية الدولية كمجرم حرب بعد أن قتل 200 ألف مواطن سوداني في دارفور وشرد مليونين غيرهم.
زعيم خالد يستحق البركة وجزار متوحش لا تجوز عليه سوي اللعنة.. حكيم طيب يشع بريقا وطهرا وجنرال بلطجي لا يعرف من قاموس الحكم سوي الذبح والقتل وفرم البشر وتمزيق الوطن في حروب أهلية وطائفية ودينية من أجل ساعات إضافية في السلطة.
تصدرت صورة مانديلا العناوين الطيبة لصحافة الدنيا وغرق البشير في حبر صفحات الجريمة الفظيعة.. الجزاء من نفس العمل.. المصير صنعه أصحابه.
نختار من مجلة " تايم " الأمريكية الدروس التي صاغتها خبرة مانديلا لحكام العالم الشاردين في مدرسة المشاغبين والمجرمين والسجانين والمخربين والفاشيين.
الدرس الأول : الشجاعة ليس معناها عدم الخوف ولكن إلهام الآخرين بالتحلي بها.. " رغم مخاوفي الذاتية فإنني لم أجعل أتباعي يلاحظون ذلك ".
الدرس الثاني : القيادة في القمة لا تعني تجاهل القاعدة.. "لم أنس في يوم من الأيام أن نفوذي الحقيقي مستمد من التفاهم مع زملائي.. وفي كل مكان تفاوضت فيه أخذت قاعدتي الشعبية معي".
الدرس الثالث : أحرص علي تولي قيادة الأمور من وراء الجدران وأترك الآخرين يعتقدون أنهم في المقدمة.. " تكلم بعد أن تستمع إلي مساعديك وعندما تطرح عليهم فكرة ما انسبها إليهم وكأنها فكرتهم ".
الدرس الرابع : أعرف عدوك وتعلم رياضته المفضلة.. فقد تعلم لغة الأفريكانو.. لغة أعدائه البيض في جنوب إفريقيا.. كما تعلم رياضتهم وفهم سلوكهم فكان من السهل عليه التفاوض معهم والتسلل من نقاط ضعفهم.
الدرس الخامس : دع أعداءك أقرب إليك من أصدقائك.. فقد كان يدعو خصومه إلي بيته ويكرمهم ولا ينسي هداياهم.. لا يكفي أهل الثقة.. فتش عن أهل الخبرة مهما اختلفوا معك.. السياسة لا تعرف العواطف.. وتقريب معارضيك يقيك شرهم.
الدرس السادس : المظاهر مهمة ولا تنس أن تبتسم.. لقد نجحت ليس بفضل إيماني بالحرية فقط وإنما بفضل مظهري المؤثر علي الآخرين أيضا.. إن المظهر القوي للقائد يحرك المشاعر ويجعل الإيمان به سهلا.
الدرس السابع : العب في المساحة بين المتناقضات.. المنطقة الرمادية بين الأبيض والأسود.. بين الحب والكراهية.. بين النضال والتفاوض.. واشكر من قدم لك شحنات السلاح والطعام بنفس الحيوية التي تشكر بها من اكتفي برفع الإيذاء عنك.
الدرس الثامن : مغادرة الحكم هي أصل القيادة.. " إن إدراك اللحظة المناسبة لترك السلطة هي أرقي فنون القيادة لا يدركه سوي القليل من الحكام.. إنها أكثر القرارات صعوبة وحكمة في نفس الوقت.
لم يكتشف البشير بالطبع درسا واحدا من هذه الدروس رغم بقائه في السلطة نحو عشرين سنة بعد انقلاب خادع اختلط فيه المصحف بالسيف.. وبرزت اللحية دون الحكمة.. وسيطرت فيه القنبلة وتراجعت القرنفلة. ومنذ اليوم الأول لاغتصابه الحكم لم يتردد في أن يشن حروبا أهلية.. مرة باسم الله.. وألف مرة باسم البقاء.. فقتل الملايين من شعبه دون أن يرتعش ضميره.. ومزق وطنه وقسمه بعد أن فشل في معاركه التي تصور فيها نفسه وكأنه عمر بن الخطاب يقاتل الكفار في بلاده.
ومن حسن حظه أن المحكمة الجنائية الدولية لا تحاسب عن ما قبل عام 2003.. العام التالي لتأسيسها.. فالجرائم البشعة التي ارتكبها في حق السودانيين قبل ذلك التاريخ لا يمكن تصورها.. ويبدو ما فعله في دارفور بواسطة ميليشيات التطهير العرقي المعروفة باسم الجنجويد بالنسبة لما سبقها مزحة أو نكتة أو بسمة أو لعبة.
تشكلت المحكمة الجنائية في 11 ابريل عام 2002 بفكرة من ترينيدا برزت علي السطح عام 1989 لمحاكمة تجار المخدرات.. وتحولت هذه الفكرة الملهمة إلي واقع ملموس عام 1993 بمحاكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا.. وبمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا في العام التالي.. ولم تمر سوي سنوات قليلة حتي برزت المحكمة الجنائية الدولية بمباركة الأمم المتحدة وبموافقة 66 دولة علي الأقل.. ولم تنضم إليها الحكومات التي تخشي علي نفسها من العقاب مثل الصين الشعبية والولايات المتحدة وإسرائيل اللتين سحبتا توقيعهما علي قانون المحكمة وغالبية الدول العربية.
والمحكمة مختصة بمحاكمة أفراد الحكم الذين يرتكبون جرائم الإبادة الجماعية والقتل العمد الذي يشكل جريمة ضد الإنسانية.. والترحيل القسري للسكان.. والسجن بالجملة.. والحرمان من الحرية دون مبرر.. وتلفيق القوانين والقضايا.. والتعذيب المنظم.. والاغتصاب.. والاستعباد الجنسي.. والإكراه علي البغاء.. والحمل المتعمد.. والتعقيم.. والاضطهاد.. والاختفاء.. والفصل العنصري.. والقتل العمد.. وتدمير الممتلكات الشخصية.. والحرمان من المحاكمة العادلة.. والحبس غير المشروع.. والتشويه البدني.. وإجراء تجارب طبية وعملية دون استئذان.. والاعتداء علي الكرامة البشرية.. باختصار كل ما يحدث من السلطة علي جميع مستوياتها العليا والدنيا في العالم العربي.. فنحن طبقا لنصوص هذه المحكمة نعيش في مجزر آلي.. كل ما فيه من أوامر ينتمي إلي قاموس السلخ والجلد والضرب والقهر.
ولكن.. هناك من بين الحكام العرب من تفوق علي غيره وسجل أرقاما قياسية في القسوة العامة والهمجية المنظمة مثل السفاح السوداني عمر البشير الذي يسعدني كثيرا أن يقبض عليه ويرحل إلي مقر المحكمة ليلقي مصيره.. ولا جدال أن هذه الصورة ستفزع رفاقه في نادي السلطة العربية.. ستؤدب المنفلت.. وتربي المتجاوز.. وتهذب المتكبر.. ستجعل الباطش أكثر رحمة.. والقاسي أقل عنفا.. والفاشستي أقل إجراما.. والنازي أقل تسرعا في اتخاذ قرارات الاعتقال والاختفاء وتقييد الحريات.
لقد جاء البشير إلي حكم أكبر دولة افريقية بانقلاب أطاح بالتجربة الديمقراطية التي ولدت بعد سقوط جعفر نميري ولم يجد البشير سوي التنكر في هيئة الجنرال الشيخ الورع المكلف برسالة سامية من الله أدت إلي سنوات طويلة من الصراعات الأهلية والعرقية والطائفية جرت فيها مذابح ومجازر لم يكشف عنها بعد.. ولم يتردد في إيواء الجماعات الإرهابية التي دبرت عمليات اغتيال شخصيات سياسية مثل الرئيس مبارك. وحسب تحليل اليكس دي مول المحرر المتخصص في السودان علي موقع بي بي سي : فإن "البشير رجل سريع الغضب وكثيرا ما ينفجر في تعبيرات حانقة خاصة حينما يشعر بأن كرامته قد جرحت".. ويكفي ذلك الشعور كي يصدر قرارات انفعالية تؤدي إلي اعتقال وقتل وتشريد مئات الألوف من المواطنين في بلاده خلال أسابيع قليلة دون أن يهتز له رمش.
ومثله مثل نميري لا يخرج البشير للحشود التي يدفعون بها إليه إلا وهو يلوح بعصاه التي يستخدمها في المشي أيضا.. ويكرر دائما عبارة : إنه لن ينحني إلا لله سبحانه وتعالي.. والحقيقة أنه انحني أكثر من مرة للقوة الأمريكية التي أجبرته علي تسليم مجموعات من مساعديه إليها بتهمة الإرهاب مقابل أن يستمر في حكمه.. إنه يحكم بقوانين من عنده ويقول إنها من عند الله.
وهو ينتمي لعائلة أغلبها من المزارعين.. لا يزيد عمره علي 64 سنة.. انضم إلي الجيش دون مستوي تعليمي مناسب.. لم يمنحه الله ذرية يمتد بها بعد رحيله.. ويعجز بسبب قلة تعليمه عن مواجهة المثقفين والإعلاميين.. ويفشل في التعبير عن نفسه إلا من وراء الستار وبقرارات انتهت به إلي المحكمة الجنائية الدولية.
وقد بدأت فكرة محاكمته منذ ثلاث سنوات بناء علي طلب من مجلس الأمن بالتحقيق فيما يجري في دارفور.. وقام المدعي العام للمحكمة الجنائية لويس مورينو بجمع الأدلة علي ارتكاب البشير جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية هناك.. في دارفور.. وحسب هذه الأدلة فإن البشير دبر ونفذ خطة لقتل وتشريد مجموعات كبيرة من قبائل الفور والمساليت والزغاوة بحجة مكافحة التمرد.. بأمر منه هاجمت ميليشيات الجنجويد القري ودمرتها وطاردت الأفراد الذين فروا إلي الصحراء لقتلهم.. وأخضع من تمكن من الوصول إلي مخيمات اللاجئين للعيش في ظروف مؤلمة.
قال أحد الشهود : " عندما نراهم نفر جريا فينجو بعضنا ويقبض علي البعض الآخر فيقاد ويغتصب جماعيا.. عشرون رجلاً علي امرأة واحدة.. وهو أمر عادي في دارفور.. وهم لا يخجلون.. إنهم يغتصبون الفتيات علنا بحضور أفراد من عائلتهن ".
لقد شتت البشير خلال الخمس سنوات الماضية مليونين ونصف المليون شخص وحولهم من مواطنين إلي لاجئين ودمر بيوتهم وأودعهم الخيام بجانب أنه افقرهم وأفقدهم الشعور بالأمان وتحرش بهم واغتصبهم.. إنه لم يستخدم الرصاص فقط وإنما استخدم أسلحة الجوع والتخويف والاغتصاب أيضا.
إن البشير هو الحاكم والرئيس والقائد الأعلي وصاحب الكلمة الأولي والأخيرة وهي ألقاب ليست للوجاهة السياسية وإنما تلقي علي صاحبها مسئولية بحجمها.. إنها لعنة السلطة المطلقة التي تذهب بالعقول والضمائر ولا تجد من يقومهما في الداخل فليأت العالم ويأخذ حقوق الشعب السوداني المهدرة منه.. وسوف يصرخ غالبية الحكام العرب متضامنين مع البشير.. فهو واحد منهم.. ومثل أغلبهم.. وسقوطه تهديد لهم.. ومحاكمته محاكمة لهم.. سيقولون إن ما يحدث هو تدخل في الشئون الداخلية.. شئون داخلية لمن؟.. للشعوب أم لهم؟.. إن الشعوب لم تعد تملك شيئا.. لا الثروات العامة ولا الشئون الخاصة.. لا القدرة علي التغيير ولا وسائل المحاسبة.. وفي ظل سياسة الدفن بالحياة التي تتبعها أغلب النظم العربية ليس للشعوب المقهورة التي تعيش تحت قسوتها سوي انتظار تدخل السماء.. والسماء لا تتدخل بالملائكة الذين يهبطون منها وإنما بتسخير بشر أقوياء لنجدة اخوتهم الضعفاء.. بتسخير قوي دولية لانقاذ جماعات داخلية.. لا تساندوا الطغاة تحت أي مسمي أو أي مبرر أو أي خدعة.. لا تضحكوا علي أنفسكم بخدعة التدخل الأجنبي.. فالاستعمار أصبح محليا.. وطنيا.. والتحرير أصبح أجنبيا.. دوليا
........................................................
قليل من الرقص كثير من العقل بقلم : كرم جبر
...........................................................
قلوبنا مع أشقائنا فى الجنوب، ففى عروقنا تجرى دماء واحدة هى نهر النيل العظيم، وبيننا
وبينهم عيش وملح ومودة وأرحام، لا نتمنى أبدا أن يصيبهم مكروه، فهم الشقيق والجار.. ولكن كيف نساعدهم وكيف يساعدوننا للنجاة من الخطر الرهيب القادم؟ لانتمنى أبدا أن يلقى البشير نفس مصير صدام، ولا أن يتم العبث بالسودان مثلما يحدث فى العراق.. ولكن كيف يستفيد! السودان من درس العراق حتى ينجو من المصيدة اللعينة التى يجرى تجهيزها، تحت غطاء المحكمة الجنائية الدولية؟ أول رد فعل جاء من السودان الشقيق لم يكن مطمئنا ولا مناسبا، حيث ظهر الرئيس البشير يرقص بالعصا، مثلما كان صدام يرقص بالسيف، العصا لن تنفع البشير كما لم ينفع السيف صدام.. والأزمات يجب إدارتها بقليل من الرقص وكثير من العقل. 1 فتش عن الصين! بعيدا عن نظرية المؤامرة يجب أن نطرح السؤال التالى: لماذا فى هذا الوقت بالذات يصدر قرار المحكمة الجنائية الدولية رغم مرور خمس سنوات على التحقيقات وعامين بعد الانتهاء منها؟ ليس مستبعدا أن تكون الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين لغزو أفريقيا سياسيا واقتصاديا هى السبب، بعد أن اجتاحت الاستثمارات الصينية السودان بشكل غير مسبوق، خصوصا فى مجال الاكتشافات البترولية التى يعوم فوقها السودان، فأرادت واشنطن أن توقف «تصيين السودان» بفوضى خلاقة من نوع جديد. قد يؤكد ذلك أن وزارة الخارجية الأمريكية هى أول من أعلن عن نية المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار قرار بالقبض على الرئيس السودانى عمر البشير بتهمة الإبادة الجماعية، وهللت كبريات الصحف الأمريكية للقرار قبل إصداره بخمسة أيام على الأقل فكيف تم تسريب القرار الذى صدر فيما بعد بنفس الصيغة التى أعلنتها الخارجية الأمريكية؟ أمريكا ليست وحدها التى تخشى التغلغل الصينى فى أفريقيا، بل الدول الأوروبية - أيضا - وبدأت هى الأخرى فى الهجوم على الصين والتشكيك فى قدرتها الاقتصادية واتهامها بأنها تعيش على سرقة وتقليد حقوق الملكية الصناعية والعلامات التجارية لكبريات الشركات العالمية.. ولذلك ليس مستبعدا أن يكون قرار المحكمة الجنائية الدولية ضد السودان هو إنذار مبكر للصين عن طريق السودان. 2 «ضوء أخضر» للفوضى! أخطر نتائج قرار المحكمة الجنائية الدولية، أنه قد يكون «ضوء أخضر» لبداية حرب أهلية ضارية فى السودان، وتشجيع للحركات الانفصالية والدول المجاورة على إعلان الحرب ضد نظام الرئيس عمر البشير، بعد التشكيك فى شرعيته فى الحكم واتهامه بأنه مجرم حرب ارتكب جرائم الإبادة الجماعية، بما يعنى إعلان الفوضى تحت مظلة دولية. ليس مستبعدا ذلك ولعلنا لا ننسى قوات المتمردين التى نجحت فى الشهر الماضى فى الوصول إلى ضواحى الخرطوم بعد أن قطعت عشرات الكيلومترات قبل أن تنجح القوات الحكومية فى التصدى لها ودحرها، فما بالنا الآن والسودان أصبح مستهدفا من قوى داخلية وإقليمية ودولية، وتطارد حكامه اتهامات دولية لم يحدث أن واجهت أى رئيس فى العالم وهو فى السلطة. دارفور هى أول منطقة يمكن أن تشتعل فيها الحرب، وقد بدأت الأمم المتحدة تهيئة المسرح لذلك بإجلاء موظفى بعثتها من مدينة الفاشر.. وحذر الاتحاد الأفريقى من وقوع انقلابات عسكرية وفوضى شاملة فى السودان. 3 إدارة الأزمة بالانفعالات رغم خطورة الأزمة وفداحتها، إلا أن السودان مازال حتى الآن يديرها بالانفعالات والعواطف والغضب، مثلما فعل الرئيس البشير الذى رقص بالعصا، وكأنه يقول للعالم «طظ»، فالعصا التى رقص بها قد تنقلب عليه وعلى السودان، إذا لم يحسن إدارة الأزمة، وحشد الرأى العام العربى والأفريقى والإسلامى، بجانب فرق دولية متخصصة فى المرافعة والدفاع فى مثل هذه القضايا الخطيرة. دفوع الخرطوم حتى الآن مازالت هزيلة ولاتقدم أو تؤخر، وليس كافيا أن يقول السودان أنه لايعترف بالمحكمة الجنائية الدولية، أو أن قرارات المدعى مسيسة وليست قانونية، أو أن المحكمة تكيل بمكيالين، أو أن قرارها سيزيد السودانيين تمسكا بقيادتهم، فمثل هذه الدفوع يمكن أن يكون لها آثار، فى الداخل فى الرأى العام السودانى، ولكن بالنسبة للأمم المتحدة والرأى العام الدولى لا تنفع الخطب والشعارات والحماس والانفعال، فمن يحركون المحكمة يعرفون جيدا كيف يتم تضييق الخناق تدريجيا على النظام السودانى تمهيدا لخنقه، ويجب أن يدير النظام السودانى المعركة بمنتهى المهارة والكفاءة. 4 الأمن فى مهب الريح! منذ اندلاع الأزمة كانت مصر تخشى السيناريو الأسوأ، ونصحت الخرطوم بالتعامل بجدية واهتمام مع مراحل التحقيق المختلفة، وصدر أول تصريح بعد إعلان قرار المحكمة الدولية عن الرئيس مبارك أثناء اجتماعه فى باريس مع «بان كى مون» الأمين العام للأمم المتحدة.. حيث حذر من مغبة إهدار جهود التسوية السلمية فى دارفور، وتهديد الأمن والاستقرار فى السودان. الخبرة المصرية يمكن أن تأخذ بيد الخرطوم كثيرا بشرط التركيز على الجانبين السياسى والقانونى، وتنشيط الدفوع الدولية التى يتولاها فريق يتم اختياره من خبراء القانون الدولى المشهود لهم بالكفاءة والخبرة، ومن المفيد أن يكون ذلك تحت مظلة جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقى. مصر يعنيها بالدرجة الأولى أمن السودان واستقراره للحفاظ على الأمن القومى المصرى، والابتعاد عن المخاطر الكبيرة التى يمكن أن تنجم عن اندلاع الفوضى والحرب الأهلية فى السودان، وقد يندفع إلى الحدود، عشرات الآلاف من الهاربين من الحرب والجحيم، فى مشهد يقترب بعض الشىء مع ما يحدث فى معبر رفح، وليس من مصلحة مصر أو السودان أن يحدث ذلك، فى وقت يسعى فيه الخرطوم إلى جذب التنمية والاستثمارات الكبيرة، وأصبحت كلها فى مهب الريح. 5 الكيل بمكيالين والعدالة العرجاء كيف يمكن أن يثبت السودان للعالم أن المحكمة الجنائية الدولية تتربص به وتتصيد له الأخطاء، وتصر على ذلك مع سبق الإصرار والترصد؟.. كيف يدافع السودان عن ترابه الوطنى ووحدته من المؤامرات والفتن والصراعات التى تستهدف تفتيته؟ وهل فى مثل هذه الظروف يمكن أن توقف محاولات النظام السودانى لضرب المتمردين بأنها جرائم إبادة ضد البشرية؟ ماذا يفعل الرئيس بوش إذا أعلنت الولاية 51 - مثلا - رغبتها فى الاستقلال عن أمريكا؟.. بل ماذا فعل الرئيس بوش نفسه بعد 11 سبتمبر، وألا يعتبر غزوه للعراق وأفغانستان وقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتدمير البنية الأساسية فى الدولتين.. ألا يعتبر ذلك من جرائم الحرب التى تستوجب محاكمة الرئيس بوش بتهمة إبادة دولتين؟! إنها العدالة الدولية العرجاء وذات الوجهين التى تجعل الدول الكبرى كالأفيال التى تدوس تحت أقدامها الدول الصغيرة وتعتبرها مثل العشب، فكيف يفلت الرئيس العربى الثانى من تحت المقصلة الظالمة؟! وكيف لا يقع فى نفس الأخطاء التى وقع فيها صدام التى دمرت بلده وأطاحت برأسه؟! 6 المحكمة الدولية «جر شكل»! أول الدفوع التى يمكن أن يلجأ إليها السودان هو أن هذه المحكمة هى «جر شكل» لأن اختصاصها ينطبق على الدول التى قامت بالتصديق وليس التوقيع فقط على الميثاق.. والمعروف أن 100 دولة صادقت على نظام المحكمة، من بينها دولتان عربيتان فقط، هما الأردن وجيبوتى، فى حين وقعت النظام الأساسى 139 دولة من بينها 11 دولة عربية من بينها السودان والمغرب ومصر وسوريا والكويت. الولايات المتحدة التى تحرك المحكمة ضد السودان من وراء الستار لم تصادق على المحكمة، بل سحبت أيضا توقيعها على النظام الأساسى، بل قامت بتوقيع اتفاقيات ثنائية مع مختلف الدول لاستثناء العسكريين والمواطنين الأمريكيين من المثول أمام المحكمة الدولية. رغم ذلك يرى كثير من المراقبين أن المحكمة خاضعة لسلطة أمريكا وتستخدمها كشوكة فى ظهر الدول التى تريد توقيع عقوبات عليها، وكانت المحكمة قد أصدرت حكما بإدانة إسرائيل لإقامة الجدار العازل، إلا أن إسرائيل رفضت الحكم جملة وتفصيلا وأهانت المحكمة واتهمتها بعدم الصلاحية، وقالت إن الإطار اللائق لبحث قضية الجدار العازل هو الإطار السياسى وليس القانونى. 7 كيف يفلت البشير من المصيدة؟ الثغرة الأخرى التى يمكن أن يهدم بها السودان القرار الجائر للمدعى العام للمحكمة الدولية هى أن المحكمة مكملة للمحاكم الوطنية التى لا تستطيع أو غير قادرة أو غير راغبة فى محاكمة مرتكبى الجرائم المنصوص عليها فى ميثاقها.. ومن الأجدر بالنظام السودانى أن يثبت أمام العالم أن نظامه القضائى قادر على محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب، محاكمات حقيقية يحضرها مراقبون دوليون للتأكد من جديتها، وليست مجرد محاكمات صورية لخداع المجتمع الدولى. الوزير أحمد هارون - مثلا - كان قاضيا قبل أن يتولى وزير الدولة للشئون الداخلية، وليست مهمته كما اتهمه المدعى العام للمحكمة الدولية هى قيادة العمليات العسكرية أو توزيع السلاح على المقاتلين، وغير ذلك من التفاصيل التى لا يمكن سردها فى هذه المساحة، ولكنها تحتاج محاكمة وطنية عادلة، تبرئ ساحة الأبرياء، وتوقع الجزاء العادل على المتهمين الحقيقيين، فى محاكمات شفافة أمام المجتمع الدولى. المحكمة الجنائية الدولية ليست هى محكمة العدل الدولية، فالأولى عمرها لا يتجاوز ست سنوات، والثانية احتفلت بمرور 50 عاما على تأسيسها، المحكمة الأولى ليست جهازا من أجهزة الأمم المتحدة، بينما الثانية هى أحد أجهزتها الأصيلة وتختص بحل النزاعات بين الدول، بينما تقتصر اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية على الجرائم التى يرتكبها الأفراد. 8 لا حصانة للرؤساء والوزراء ليس صحيحا ما يتذرع به السودان بأن الرئيس البشير يتمتع بحصانة رئاسية، لأن المحكمة لا تعترف بالحصانات الرسمية سواء لرئيس الدولة أو الحكومة أو أى مسئول آخر، ولا تعفيهم كذلك من المسئولية الجنائية، ونفس الأمر بالنسبة للعسكريين وقادة الجيوش فإنهم يساءلون عن الأعمال التى يرتكبونها هم شخصيا أو الأعمال التى يرتكبها مرؤوسوهم. هذا يعنى أن السودان يجب أن يدرس الملفات جيدا، وأن يقدم نموذجا راقيا لإدارة الأزمة بالطرق السياسية والقانونية فى أول سابقة من نوعها، وأن يتمتع بدعم ومساندة الجامعة العربية والاتحاد الأفريقى وجمعيات حقوق الإنسان، وليس بالخطب وبيانات الشجب والتأبين ومظاهرات الشوارع والمساجد، فهذه وسائل بالية تضر أكثر مما تنفع فى مواجهة حالة تربص واضحة بالسودان ورئيسه. السودان يجب أن يفتح كل ملفات الانتهاكات وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التى ارتكبتها كل الأطراف فى النزاع الدائر فى دارفور، بما فى ذلك انتهاكات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة فى جرائم الاغتصاب، والقتل التى يغض المجتمع الدولى البصر عنها. 9 الدور القادم على مين؟ السيناريوهات المتوقعة كثيرة، ولكن أسوأها هو رد الفعل العربى المنتظر، إذا وقف عند حد بيانات الشجب والإدانة والتأييد، فالمطلوب أكثر من ذلك بكثير، وهو أن تفعَّل الجامعة العربية كل أسلحتها القانونية والسياسية للدفاع عن السودان، حتى لا يحدث انشقاق فى الصف العربى مثلما حدث مع العراق وصدام. فالسودان لم يعتد على دولة شقيقة، ولكنه كان بصدد الدفاع عن وحدته وترابه الوطنى من التفتت والانفصال، والبشير ليس صدام، لم يهدد جيرانه، ولم يغتصب أوطانهم ولم يذقهم ويلات الاحتلال.. قد يكون السودان مخطئا فى بعض الاتهامات المنسوبة إليه، ولكنها لا ترقى أبداً إلى درجة إصدار أمر باعتقال رئيسه وتهديد البلد كله بحروب أهلية، فالبشير لم يسحل معارضيه مثل صدام. كثير من الأنظمة العربية تحت سقف التهديد، لأن الولايات المتحدة توظف الشرعية الدولية حسب أهوائها ومصالحها، ولا يستبعد أبداً أن تمد مظلة مجلس الأمن إلى قرار المحكمة الجنائية باعتقال البشير، وتلجأ إلى الباب السابع الذى يسمح بالتدخل العسكرى لتطبيق قرارات الأمم المتحدة. ماذا - إذاً - نسمى الجرائم التى ترتكبها إسرائيل فى الأراضى المحتلة ضد النساء والأطفال والعجائز، أليست بقصد إهلاك الشعب الفلسطينى وإبادته وينطبق عليها مفهوم جرائم ضد الإنسانية؟ السودان فى مفترق طرق.. إما أن يختار طريق السلامة بالعقل، والقانون، والحكمة.. وإما طريق الندامة بالانفعال، والعواطف والهتاف، والرقص!
No comments:
Post a Comment